الفن الصخري بالمغرب

"دراسة ميدانية أولية لنقوش صخرية من صنف البقريات و الطيور"

حسن اروش

طالب باحث بسلك الدكتوراه تحت إشراف الأستاذة نزهة بودهو، بجامعة محمد الأول كلية الآداب و العلوم الإنسانية وجدة

ملخص:

نصبو في دراستنا الميدانية إلى التعريف بالجهة الشرقية للمغرب، عبر الوقوف وزيارة مواقع أثرية مختارة، بهدف توثيقها وتصنيف النقوش والمواضيع التي تتضمنها، إضافة إلى تحديد التقنيات والأساليب المعتمدة في تنفيذ هذه الأعمال الفنية على الواجهات الصخرية.

الكلمات المفتاحية: الفن الصخري – النقوش الصخرية – تقنية الصقل – تقنية النقر – البقريات – الطيور.

:Résumé

Cette initiative vise à faire connaître l’art rupestre dans la région de l’Est marocain, à travers un travail empirique basé sur l’exploration et l’étude de plusieurs sites archéologiques. L’objectif principal est de recenser, classifier et analyser les types d’inscriptions relevées, les thématiques représentées, ainsi que les différentes techniques employées dans la réalisation de ces œuvres gravées sur les parois rocheuses.

Les résultats de cette recherche ont permis d’identifier quatre grandes catégories de

:représentations

  • des formes animales,
  • des formes humaines
  • des formes symboliques
  • et d’autres formes non classifiées, souvent altérées ou difficilement interprétables.

Dans le cadre de cet article, l’analyse se concentre spécifiquement sur deux types de gravures rupestres : celles représentant des bovidés et celles figurant des oiseaux, relevées sur plusieurs sites du sud-est et du sud-ouest de la région orientale.

Mots-clés : gravures rupestres, technique de polissage, technique de piquetage, art rupestre.

 

مقدمة:

ما من شك على أن الفن الصخري من أقدم أشكال التعبير الفني التي عرفها الإنسان، وقد بدأ استخدام هذا المصطلح لأول مرة سنة 1956، وتعددت تسمياته بين “فن الصخور”، و”نقوش الصخر” و”الرسوم الصخرية”، و”السجلات الحجرية” ويُعرّفه المختصون بأنه مجموعة من العلامات والرموز التصويرية التي أنجزها الإنسان على واجهات الصخور أو جدران الكهوف والمآوي الطبيعية، لتكون بمثابة لغة بصرية توثق مشاعره ومعتقداته وأسلوب حياته.

ينقسم الفن الصخري إلى نوعين رئيسيين: الرسوم الصباغية التي تعتمد الألوان والطلاء، والنقوش الصخرية التي تعتمد الحفر أو النحت على سطح الحجر. ويُنظر إلى هذا الفن كأحد أقدم أشكال الذاكرة الجماعية، التي سبقت اختراع الكتابة، ووفّرت للباحثين نافذة لفهم تفاصيل الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية والثقافية للإنسان القديم.

استمرت ممارسة هذا الفن حتى بعد ظهور الكتابة، وتطورت تبعًا لمراحل الحضارة ويتميّز المغرب بكونه من بين أغنى بلدان العالم بهذا التراث، حيث تزخر أراضيه بمئات الآلاف من الأدوات الحجرية والنقوش الصخرية المنتشرة في الجبال والهضاب، وعلى الأودية والصحارى، محفورة على الصخور الصلبة والرملية، شاهدة على عراقة الوجود الإنساني وتنوع حضاراته عبر العصور.

الموقع الجغرافي للمنطقة الشرقية للمغرب:

جهة الشرق من بين أكبر الجهات المغربية من حيث الامتداد الجغرافي، إذ تبلغ مساحتها حوالي 90.130 كيلومترًا مربعًا، أي ما يمثل 12.7% من المساحة الإجمالية للمملكة، وذلك وفقًا للتقسيم الإداري المعتمد سنة 2015. يحدها شمالًا البحر الأبيض المتوسط، ومن الغرب أقاليم الحسيمة وتازة وبولمان، بينما تحدها جنوبًا الرشيدية، ومن الشرق والجنوب الشرقي الجمهورية الجزائرية.

وتضم الجهة، إداريًا، 17 دائرة تتوزع على 124 جماعة، منها 96 جماعة قروية و28 جماعة حضرية، وهو ما يعادل نحو 8.3% من مجموع الجماعات على المستوى الوطني، البالغ عددها 1.503 جماعة.

أما من حيث التوزيع الديمغرافي، فقد بلغ عدد سكان الجهة، حسب معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014، ما مجموعه 2.314.346 نسمة، أي ما يقارب 6.8% من سكان المغرب، بكثافة سكانية تقدر بنحو 26 نسمة في الكيلومتر المربع.

وتزخر جهة الشرق بموارد اقتصادية هامة ومتنوعة، تتيح إمكانيات واعدة لتحقيق تنمية شاملة ومندمجة، سواء على المستوى الفلاحي أو السياحي أو الصناعي، فضلًا عن ما تزخر به من تراث ثقافي وأثري غني.

– الإطار الجيولوجي للجهة الشرقية للمغرب:

تكشف البنية الجيولوجية للجهة عن تراكب وتداخل في التكوينات الصخرية، حيث تنتشر تشكيلات تعود إلى العصر الطباشيري، خاصة في نطاق الهضاب العليا الشرقية (النجود العليا)، إلى جانب أخرى أقدم تنتمي إلى العصر الجوراسي، تهيمن على الوحدات الجبلية للأطلس. وقد خضعت هذه التكوينات لتأثير الالتواءات الألبية، تلتها حركات انكسارية متعاقبة أسهمت في نحت مشهد تضاريسي يتميز بالوعورة والتعقيد. وتخترق هذه التضاريس أودية عميقة غالبًا ما تتبع خطوط الانكسارات الجيولوجية الكبرى.

كما أظهرت المعاينات الميدانية وجود ترسّبات قديمة تعود إلى الزمن الرباعي، تتركز بشكل واضح عند السفوح الجبلية، مما يعكس مراحل جيومورفولوجية متتالية. أما في مناطق فجيج وإيش، فتتكون البنية الصخرية بشكل رئيسي من الكلس اللياسي والحث الكلسي الجوراسي، وهي مواد تتميز بخصائص فيزيائية ملائمة ساعدت الإنسان القديم على استغلالها لإنجاز نقوشه الصخرية. فقد وفّرت هذه التكوينات أسطحًا مكشوفة مناسبة للنقش، إلى جانب تجاويف طبيعية نحتتها عوامل التعرية، وخاصة الرياح، في الحجر الرملي، مما جعل منها فضاءً ملائمًا للتعبير الرمزي والثقافي.

التساقطات بالجهة الشرقية:

تُسجَّل فترات صقيع خلال الشتاء، خصوصًا بين أكتوبر وماي. ففي بركان، تبلغ الحرارة الدنيا 6 درجات مئوية في يناير، وتنخفض إلى الصفر في عين بني مطهر. أما صيفًا، فتتراوح الحرارة العليا بين 32 و40 درجة مئوية. وتتميز التساقطات بضعفها وعدم انتظامها، حيث تراوحت ما بين 195.8 ملم و479 ملم سنويًا (1963–1977)، وبلغ التفاوت ذروته بين عين بني مطهر (51 ملم سنة 1983) وعين ألمو (984 ملم سنة 1968).

تخضع المنطقة لتأثيرات متوسطية شتاءً وصحراوية صيفًا، مع هيمنة المناخ الصحراوي جنوبًا، خاصة نحو السفوح الجنوبية لبني يزناسن. أما ممر وجدة، فيعد نقطة تماس بين التأثيرين. وتلعب الطبوغرافيا دورًا حاسمًا في حجب المؤثرات البحرية وتعزيز الانفتاح على الجنوب.

أما الحرارة، فهي مؤشر بارز على القارية المناخية، وتتأثر بتدرجات الارتفاع والاختلاف التضاريسي. وتُقسَّم المنطقة إلى ثلاث نطاقات حرارية، حيث تمثل محطة وجدة نموذجًا لمنطقة وسطى، بينما تسود تأثيرات متوسطية في تاريفيت، وتأثيرات صحراوية داخلية جنوبًا.

فيما يخص التربة، فإنها تمثل عاملاً حاسمًا في تحديد الإمكانيات الفلاحية. ويغلب عليها صنف “الحرشى” (60%) يليه “الحمري” (30%)، مع انتشار محدود لصنف “الرمل”. ويختلف توزعها حسب الموقع: شمالًا يهيمن الحمري، ووسطًا تتداخل الحرشى والبياض، بينما يسيطر الحرشى جنوبًا. رغم هذا التنوع، فإن جودة التربة لا تُعدّ عائقًا للاستثمار الفلاحي، بل يبقى التحدي الأساسي مرتبطًا بندرة وعدم انتظام أما الغطاء النباتي، فيعكس تنوعًا بيئيًا لافتًا، حيث تسود الحلفاء ونباتات مقاومة للجفاف في المناطق القاحلة، مقابل البلوط والبطم والكندة في المناطق الرطبة. كما تنتشر الزراعة على ضفاف وادي ملوية. غير أن هذا التنوع مهدد بالجفاف والضغط البشري، خاصة بسبب الرعي والقطع الجائر، ما يضع النظم الإيكولوجية المحلية أمام تحديات متنامية.

 

تحديد البحث الميداني:

الجزء الشرقي من المملكة المغربية

انطلقنا من مدينة وجدة خلال الأسبوع الأول من يونيو 2020، باتجاه مدينة فجيج التاريخية، الواقعة على بعد نحو 384 كيلومترًا جنوب شرق وجدة. وتمّ اختيار موقع الحتّامة كنقطة بداية للبحث، وهو موقع مرتفع يطل على جبل لمعيز، ويقع على مسافة تقارب 12 كيلومترًا من فجيج. ويتميّز هذا الموقع بحساسيته الجغرافية، إذ يوجد ضمن منطقة عسكرية قريبة من الحدود الجزائرية.
وقد أسفرت المعاينات الأولية بالموقع عن العثور مجموعة من النقوش الصخرية المحفورة على واجهات الصخور، تتضمن تمثيلات لحيوانات من فصيلة الطيور والبقريات، إضافة إلى كتابة ليبية أمازيغية واضحة، ما يعزّز القيمة التاريخية والثقافية للموقع اضافة إلى و جود العديد من المدافن وهو مايصطلح عليه بالكركور.
• “يتفرع الفن الصخري في المغرب، المعروف اصطلاحًا بـ (l’art rupestre)، إلى صنفين أساسيين:”
• الرسم الصخري (peinture rupestre): وهو شكل نادر نسبيًا داخل المجال المغربي، ويظهر غالبًا في المناطق التي تتسم بظروف مناخية أكثر رطوبة، كما هو الحال في بعض جهات الأطلس المتوسط أو مناطق أروية، حيث تُوفر البيئة الرطبة نسبيًا ظروفًا أفضل لبقاء الأصباغ الملونة.
• النقش الصخري (gravure rupestre): ويُعد الشكل الأكثر شيوعًا وانتشارًا في المغرب، ويتميّز بقدرته العالية على مقاومة التآكل بفعل العوامل المناخية، وذلك بفضل طبيعة الصخور الصلبة التي نُقشت عليها، إلى جانب مناخ المنطقة الجاف الذي ساعد على حفظ تفاصيل هذه الأعمال عبر قرون طويلة.

المواقع الفن الصخري بجهة الشرق:

تقع مواقع الفن الصخري بالقرب من مدينة فكيك، وتحديدًا بمنطقة كدية الحتّامة (الشكال 1)، حيث عُثر على نقوش صخرية تُجسّد مشاهد لحيوانات من نوع الظباء، يُرجّح أنها تمثّل البقر الوحشي أو النعام، إلى جانب كتابات ليبية أمازيغية. نُفّذت هذه النقوش على كتل صخرية من الحث تعود إلى العصر الجوراسي، وتوجد على ارتفاع يُقدّر بـ990 مترًا، في الجزء العلوي من الحتّامة، إلى يمين وادي تسرفين. وتشير المعطيات إلى أن هذه الرسوم تعود إلى فترتي استيطان متعاقبتين: النيوليتية والبوفيبدية، في حين تُقدّر النقوش الأبجدية بمرحلة زمنية تتراوح بين 1000 و2000 سنة.”

تعد الثدييات بمواقع الجهة الشرقية للمغرب الأكثر تمثيلا بمواقع الفن الصخري بالمنطقة الشرقية كما هو الشأن بالنسبة للصحراء الاطلنتية بالمغرب الجنوبي، ويشمل الجاموس العتيق الذي يعتبر من أقدم البقريات تمثيلا في هذا الفن الصخري ،ثم صنف الطيور،ونخص بالتحديد النعام الذي مثل ورسم بأشكال عديدة، بزنجار کامل، ونفذت بتقنية الصقل وبأسلوب قريب من «تازينا» (الشكل 4)، تزامنت هذه النقوش مع انشغال الإنسان القديم بنقش بيض النعام بأشكال رمزية عثر على بقايا منها بالعديد من المدافن الجنائزية الموجودة على مقربة من مواقع النقوش الصخرية.أوضحت أهم التقنيات و أساليب التي اعتمدها الإنسان القديم في تصويره موضوعاته المختارة بتقنية النقر والصقل، وتعتبر هذه الأخيرة الأكثر حضورا بهذا الموقع، فمعظم النقوش التي تم توثيقها نفذت بتقنية الصقل الذي يمكن أن نقسمه إلى صقل عميق وصقل خفيف ذو الخطوط السطحية.

تتميّز معظم النقوش الصخرية بموقع “الحيامة” بكونها نُفّذت بتقنية الصقل، مع اعتماد أسلوب “تازينا” (الشكل 5) الذي لا يُرصد في باقي مواقع الجهة الشرقية إلا ناذرا، وهو ما يمنح الموقع طابعًا خاصًّا ومتفردًا داخل المشهد العام للفن الصخري بالمنطقة.
ومع ذلك، يُسجَّل في الموقع تأثير واضح للعوامل الطبيعية المدمّرة، يتجلى أساسًا في تدهور الحوامل الصخرية نتيجة التآكل والانقسام. ويُعزى ذلك إلى التباين الحراري الحاد بين حرارة النهار المرتفعة وبرودة الليل، ما يُفضي إلى تشققات وانفصالات في الطبقات الصخرية الحاملة للنقوش.
يتّضح من خلال تحليل النقوش الصخرية بموقع “الحيتامة” إمكانية تصنيف مضامينها إلى ثلاث مجموعات رئيسية، تختلف من حيث الأساليب التقنية والفترات الكرونوثقافية التي تنتمي إليها:
المجموعة الأولى: تضم تمثيلات لحيوانات برية تنتمي إلى ما يُعرف بـ”الوحيش الإثيوبي”، وتشمل الأبقار البرية والظباء، إلى جانب طيور مثل النعام. وتظهر هذه الرسوم أحيانًا مرفقة بنقوش مكتوبة بالحرف الليبي الأمازيغي، ما يُضفي عليها طابعًا رمزيًا وثقافيًا غنيًا.
المجموعة الثانية: تتكون من أشكال لحيوانات مستأنسة مثل الأبقار والأغنام والماعز ورباعيات الارجل، تشير إلى مرحلة لاحقة في تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتمتاز هذه النقوش بزنجرة داكنة، على خلاف النقوش المتأخرة التي تتسم بلونها الفاتح الناتج عن انكشاف السطح وتعرضه لعوامل التعرية.

صنف البقريات البقريات :
هذه المرحلة من أبرز الفترات التي عرفت فيها نقوش البقريات كثافة واضحة، حيث أنها ارتبطة بعملية تدجين الإنسان لهذا الحيوان وتزايد أهميته في الحياة اليومية. تُعرف هذه المرحلة بـ”المرحلة الرعوية”، وتُؤرّخ بحوالي 4500 سنة قبل الوقت الحاضر. وقد أبدى الإنسان خلالها اهتمامًا بالغًا بالبقر ومختلف فصائل المواشي، سواء من خلال النقوش أو الرسومات، حيث جسّدها في مشاهد متعددة تعكس الرعي، الصيد، أو العلاقة اليومية التي تربطه بها.
وتُعتبر مناطق الجنوب المغربي، وخاصة جبل باني والمجالات المحاذية للأودية والسهول المعروفة محليًا بـ”الفيجات”، من أغنى الحقول الأثرية التي تحتوي على هذه التمثيلات. هذا الانتشار المكثف لا يبدو اعتباطيًا، بل يعكس اختيارًا واعيًا للمواقع، وهو ما يُبرز تطورًا في الوعي الجمالي والرمزي لفناني تلك المرحلة.
من الناحية الفنية، بدأ التعبير البصري في هذه الفترة بأسلوب طبيعي وواقعي، لكنّه اتجه تدريجيًا نحو ما يُعرف بالأسلوب الشبه الطبيعي في المراحل المتأخرة. أما من حيث التقنيات المستعملة، فقد سادت تقنية النقر بوضوح، في مقابل المرحلة السابقة المعروفة بـ”مرحلة الجاموس الطبيعي” التي هيمنت فيها تقنية الصقل. كما ظهرت تقنيات متعددة مثل الخطوط المصقولة، والخط المنقّط، والخط المحزوز، إلى جانب الصقل الجزئي أو الكلي للمساحات الداخلية، والتي غالبًا ما تكتسي بسطح مصقول مغطى بزنجرة رمادية أو بنية، ما يُضفي على الرسوم بعدًا بصريًا مميزًا ويُسهّل قراءتها في الحقل الأثري.

نقوش النعام

أولى الإنسان القديم في الجهة الشرقية اهتمامًا خاصًا بطائر النعام، كما يتبيّن من تعدد تمثيلاته في عدد من مواقع الفن الصخري، لا سيما في منطقة الدشيرة، وجبل لمعيز، وموقع حاسي غيلان. وقد نقش هذا الطائر باستخدام تقنيات وأساليب مختلفة، تراوحت بين الصقل والنقر، مما يعكس تفاعل الفنان مع طبيعة الحوامل الصخرية وتنوع الأغراض التعبيرية.
ويُعد النعام من أبرز المواضيع الحيوانية في الفن الصخري الصحراوي، نظرًا لخصائصه الانسيابية، مثل العنق الطويل والساقين الممتدتين، التي تيسّر التعرف عليه بسهولة. وتُظهر إحدى النقوش (الصورة 5) مشهدًا للنعام في وضعية حركية، نُفّذ بأسلوب قريب من تقنية “تازينا” وباستعمال الصقل الكامل، رغم ما تعرّض له من تآكل بفعل عوامل التعرية. ويبدو أن الفنان حرص على إبراز الصفات الفيزيولوجية للطائر، خاصة سرعته الفائقة وقدرته على العيش في البيئات الصحراوية القاحلة.
أما على المستوى الرمزي، فقد ارتبط النعام في المتخيّل القديم بمعانٍ تتجاوز الوظيفة الحيوانية، إذ تشير بعض المصادر إلى أن الفراعنة كانوا من أوائل من استأنسوا هذا الطائر، واستخدموا ريشه رمزًا للحقيقة والعدالة. كما تظهر بعض الجداريات الليبية القديمة أفرادًا يضعون ريش النعام على رؤوسهم، في دلالة على المكانة والهيبة داخل المجتمع. وبالإضافة إلى ذلك، استُعمل بيض النعام في الطقوس الجنائزية، كما وُظّف كأداة لتخزين السوائل والمواد الغذائية، وهو ما يؤكد البعد الوظيفي والرمزي الذي حظي به هذا الطائر في ثقافات ما قبل التاريخ.
أسلوب أسلوب تازينا:
تعددت تعريفات هذا الأسلوب منذ اكتشافه في موقع “عين تازينا” (المحرة، البيض)، حيث اعتمد لوت على المقاسات والأسلوب الممتد للنهايات والمواضيع المختارة. وفي 1970، اقترح مصطلح “مدرسة تازينا” للإشارة إلى النقوش شبه التخطيطية الصغيرة (فلامن ad naturam) بالجنوب الوهراني، المرتبطة بمرحلة “الجواميس صغيرة الأبعاد”. وصف لوت هذه النقوش بأنها ذات طابع طبيعي، بأطراف وذيول نحيلة وقرون ممدودة بشكل غير طبيعي، مع خطوط مصقولة ومنظور جانبي (U أو V). تتميز بدقة التنفيذ وغياب آثار النقر، وتظهر أحياناً ازدواجية في رسم العين. خلصت أبحاث لوت (1970، 1984) وحملاته الميدانية إلى تحديد خصائص هذه المدرسة الفنية.
.
نقوش موقع الدشيرة:
يقع موقع الدشيرة بالقرب من جماعة ايش الحدودية مع الجزائر يتميز الموقع بالجدارية العمودية التي نقشت عليه محموعات من الابقار على شكل قطيع بتقنية الصقل المحكوك و الحز إضافة الى ذالك سجلنا وجود صنوريات و اسراب نعام و اشكال ادمية في لوحة فنية بأبعاد كبيرة (شكل 8) تدل على بعض الأنشطة التي كان يزاولها الإنسان القديم بمنطقة ايش و المتمحورة حول الرعي ،كما يتبين أن هذا المجال لعب دورا مهما في حياة المجتمعات الرعوية المبكرة، حيث أن البقر لعب دور هاما في اقتصاد و معتقدات الإنسان القديم في المنطقة الشرقية قي فترات كانت الظروف المناخية اقل قساوة مما هو عليه الحال الآن،وهذا ما يؤكده ذالك العدد الكبير لقطعان البقريات المنقوشة عموديا على الجدار.

بمقربة من النقوش الصخرية التي تضم أشكال رمزية والحيوانية متنوعة، غالبا ما يتم العثور مدافن Tumulus، وهي عبارة عن أكوام الأحجار الجافة الأكثر شيوعا في شمال إفريقيا التي يشار إليها عادة بمصطلح محلي كيركور أو كركو، وهو عبارة عن مجموعة من الأحجار الموضوعة دون ترتيب ظاهري أو توجيه أو أبعاد متفاوتة ،ويتراوح ارتفاعه مابين على بقايا عظام هذه حيوانية في المدافن و بعض الأدوات الحجرية المشذبة التي كان يستعملها الإنسان الحجري في حياته اليومية (شكل 10).

موقع حاسي غيلان
يقع موقع حاسي غيلان في الجهة الشرقية للمغرب، عند الإحداثيات الجغرافية °32′37′50 شمالًا و°2′53′31 غربًا، على ارتفاع يقارب 1100 متر فوق مستوى سطح البحر. يبعد الموقع بحوال21 كيلومترًا عن جماعة أنوال، ونحو 62 كيلومترًا جنوب شرق مدينة تالسنيت. يتمركز هذا الموقع وسط مجال شبه صحراوي منبسط تتخلله بعض الأودية الجافة، وتعلوه كتلتان صخريتان بارزتان من الحجر الرملي الصلب، تشكلان ما يشبه الجدران الطبيعية التي تطل على المحيط الجاف.
و تتميز هذه المرحلة كما هو الشأن في الشكل 9، برسوم مبسطة ذي خطوط منقورة. أما الحيوانات المجسدة فهي أساسا أصناف مدجنة، مثل : البقرة والماعز والكلب والخيل والإبل. في حين تضل الحيوانات المتوحشة محدودة الأصناف، وهي ممثلة أساسا في الأسد والفهد والفيل. كما أن الأدوات المعدنية والرسوم الادمية أصبحت كثيرة خلال هذه الفترة، إذ أصبح الإنسان فارسا، مسلحا بدرع أو رمح، كما تجده في مشاهد للصيد وفي المعارك. وقد عرفت نهاية هذه الفترة ظهور مؤشر جديد في الفن الصخري الإفريقي والمغربي، وهو الكتابة الليبية القديمة المسماة بالكتابة “الليبية الأمازيغية”. يُذكر أن بعض الدراسات تقسم هذه الحقبة إلى مرحلتين رئيسيتين: مرحلة الخيليات ومرحلة الإبليات، وذلك وفقاً لظهور الخيول والإبل في النقوش الصخرية. وقد تميزت مرحلة الخيليات – أو ما يعرف بمرحلة الحصان – ببروز مواضيع فنية جديدة لم تكن معروفة سابقاً، أبرزها تصوير الخيول والعربات بأنماط متعددة.
.
التقنيات المستعملة في النقش الصخري بجهة الشرق:

1. تقنية النقر (Piquetage):
تعتمد هذه الطريقة على نقر سطح الصخرة بأداة حادة (حجرية أو معدنية) لإنشاء سلسلة من الحفر الصغيرة، تُشكل في النهاية المعالم العامة للرسم المنقوش (كما يظهر في الصورة 11. وتختلف أساليب النقر باختلاف التقاليد الثقافية للمجموعات البشرية.
2. تقنية الصقل (Polissage):
تتمثل في نحت خطوط غائرة مصقولة مباشرة على الصخر باستخدام أدوات خاصة، إما بالطرق (Martelage) أو النقر المتكرر (Percussion) بأدوات حادة مثل القدوم. وتُعد هذه التقنية بارزة في موقع “ايش” بشكل خاص.
3. تقنية الخدش:
تُعتبر الأبسط تقنيًا، إذ لا تحتاج لأدوات متخصصة، حيث يمكن تنفيذها باستخدام أي شظية حجرية أو قطعة معدنية حادة لإحداث خدوش على السطح الصخري.

تأريخ النقوش بمناطق فجيج
إن محاولة ضبط الإطار الكرونولوجي لهذه النقوش تبقى جد صعبة إن لم نقل مستحيلة في الوقت الراهن ذلك راجع لغياب معطيات أساسية تساعد على إعطاء تواريخ تقريبية لهذه النقوش حسب مستويات كرونولوجية واضحة، ورغم هذه الصعوبات كانت هناك بعض المحاولات التي توخى منها أصحابها وضع تواريخ نسبية لهذه النقوش ،و من ابرز هذه المحاولات محاولة فريق المجيدي عبد الخالق التي اعطت الجدول التالي:

استنتاج:
تمثل الرسوم الصخرية في شرق المغرب لوحة فسيفسائية ثقافية فريدة، تجسد حواراً تاريخياً بين التأثيرات المتوسطية شمالاً والإرث الصحراوي جنوباً. هذا التنوع الموضوعي لا يقتصر على كونه تعبيراً فنياً فحسب، بل يشكل أرشيفاً أنثروبولوجياً شاملاً يوثق التحولات البيئية والمناخية عبر العصور، مما يجعله مصدراً لا غنى عنه لفك شفرات أنماط العيش والتفاعلات الإنسانية في المنطقة.
تكمن الأهمية العلمية لهذه النقوش في كونها تشكل مصدراً رئيسياً لإعادة كتابة تاريخ ما قبل الكتابة في شمال إفريقيا، حيث تملأ الفراغ الذي خلفه غياب الوثائق المكتوبة. فهذه الشواهد البصرية، إلى جانب الأدوات الحجرية المصاحبة، تحفظ بين طياتها ذاكرة مجتمعات ما قبل التاريخ وتكشف عن رؤيتها للعالم وسبل تكيفها مع التحديات البيئية.
يمكن تقسيم هذا الإرث الصخري إلى حقبتين رئيسيتين متمايزتين:
– حقبة الصيد البري: (من الهولوسين حتى الألفية الخامسة ق.م) والتي تميزت بانتشار رسوم الضواري والحيوانات البرية، تعكس نمط عيش يعتمد على الصيد في بيئة غنية بالمياه والغطاء النباتي.
– حقبة الرعي والاستقرار: التي شهدت تحولاً جذرياً في التمثيلات الفنية نحو تصوير الأبقار ثم الماشية الصغيرة، مما يدل على بروز اقتصاد رعوي متكيف مع التصحر المتنامي.
وتؤكد الدراسات الميدانية، وعلى رأسها أبحاث الدكتورة نزهة بودوهو، أن هذه المنطقة شكلت عبر التاريخ جسراً للتبادل الحضاري بين العالم المتوسطي والمجال الصحراوي. هذا التفاعل الثقافي الطويل ترك بصماته الواضحة في المخزون الصخري الذي يزين الهضاب والمواقع الأثرية بالمنطقة، محتفظاً بأسرار حضارات غابرة وشاهدا حياً على حكاية الإنسان مع بيئته المتغيرة.

Bibliographie

Boudouhou N.2019 ,Maroc oriental Etude archéologique et historiq
ue 2 carte des sites archéologiques et des monuments historiques Feuille au 1/500ₑ d’Oujda.
Boudouhou.N. 2019.Maroc Oriental Etude Archéologique et historique Ⅰ,Bilan des connaissances.
Boudouhou N.«E’léphants et personnages dans les gravures rupestres de Hassi Ghilan Maroc oriental », Bulletin D’archéologie marocaine25.
Bouzougar A et al.2010, « Prospections et sondages sur les littoraux oriental et sud-atlantique du Maroc » 2010, septembre, Les Nouvelles de l’archéologie.
Hachid, M. 2000. Le Tassili des Ajjer : Aux sources de l’Afrique 50 siècles avant les pyramides. Édif.
Lemjidi A , Ouraghe H, ELAtmani A. Figuig-ich un misée d’arts rupestres à ciel ouvert.2016,Institut National des Sciences d’archéologie et patrimoine, faculté des sciences,d’Oujda.
Boudouhou,N. Talsinnt, Encyclopédie berbère 44-45,fascicules «t» à paraitre.
Lemjidi A,Aouraghe H,El Atmani A.Figuig ich un musée à ciel ouvert,2006.
ROYAUME DE MAROC Ministre de l’intérieur, Direction G générale des collectivités Locales carte. LA Région de l’oriental MONOGRAPHIE GENERALE, 2015.
https://mammiferesafricains.org/2015/12/bubale-de-coke/

• العوينة، ع. (1986)، المغرب الشمالي الشرقي. في ندوة: المغرب الشرقي بين الماضي والحاضر: الوسط الطبيعي، التاريخ، الثقافة (13-15 نونبر 1986)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة.
• أوراغ، ح.، فك، ع.، والمجيدي، ع. (2023), «الفنون الصخرية بالمغرب الشرقي على ضوء الاكتشافات الأثرية الحديثة». كتاب الملخصات، 89–100.
• الحمري، م. (2015)، «التواصل الثقافي والحضاري بين الساقية الحمراء وزَمُور وساحل الصحراء خلال عصور ما قبل التاريخ». مجلة ثقافة الصحراء، (5)، 28.

لائحة المصادر و المراجع
المندوبية السامية للتخطيط، مونوغرافية جهة الشرق، مارس 2016، المديرية الجهوية لجهة الشرق.
المجيدي عبد الخالق، » الجنوب المغربي و إشكالية عصر لبرونز من خلال النقوش الصخري من خلال النقوش الصخرية «،2013 دراسات مجلة كلية الآداب و العلوم الإنسانية بأكادير،المغرب.
المركز الوطني للنقوش الصخرية، دليل التراث الصخري المغربي،وزارة الثقافة /مديرية التراث الثقافي2005.
اسماهر المحفوظ، جوانب من حضارة شمال إفريقيا القديم و الصحراء من خلال النقوش الصخرية، أطروحة لنيل الدكتوراه في التاريخ القديم، كلية الآداب الرباط 2003/2004.
محمد حريش ال مستني، حمى.. معزوفة التاريخ ،دراسات ميدانية للنقوش الصخرية في موقع حمى بمنطقة نجران،الطبعة الأولى، بيروت- لبنان،مؤسسة الرحاب الحديثة الطبعة الأولى.
عبد اللطيف خرباش، مدخل لدراسة علم الآثار،الطبعة الأولى ،مراكش 2016،المطبعة الورقية الوطنية.
عبد الهادي فك، نورالدين زديدات،محمد حمو، دليل مواقع الفن الصخري بجهة كلميم واد نون،2020 ،كلميم ود نون، منشورات المحافظة الجهوية للتراث الثقافي.

اترك تعليقاً